محمد هادي معرفة

487

التمهيد في علوم القرآن

لاشتدّ أسف صاحبها ، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب . ثم إنّ الجنّة وإن كانت من نخيل وأعناب ، فما لم تجر الأنهار من تحت أشجارها لم يكن لها نفع عظيم بسكنها ، ولم تكن لها حياة ونضارة البتة . فتمّم هذا النقص بقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . وإذا انضمّت إلى النخيل والأعناب كل الثمرات كان وصفها أتمّ ونفعها أعظم والأسف على فسادها أشد . ولذلك تمّم هذا النقص وبالغ فيه بقوله : لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ . ولمّا فرغ من وصف الجنّة شرع في وصف صاحبها ، فوصفه بالكبر ، وهي حالة يأس عن إمكان استئناف العمل لو ذهبت الأتعاب أدراج الرياح . فقال - محتاطا - : وَأَصابَهُ الْكِبَرُ . ثمّ لو كان عقيما ولم يخلف ذراري ضعافا كان الأمر هيّنا بعض الشيء ، وسلّاه قرب الأجل ، لكن إذا كان قد خلف ذرية ضعفاء فإنّ الأسف على ضياعها أمرّ وأشدّ . ولذلك تمّمه بقوله : وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ . وأضاف وصفها بالضعف « ضعفاء » لأن الإطلاق يحتمل كونهم أقوياء لا حاجة لهم إلى تركة أبيهم . فكان ذلك يخفض من شدّة أسفه ، ويقلّ من وطأه غمّه . وأخيرا أخذ في وصف الحادث المهلك الذي أصاب الجنّة ، فقال : فَأَصابَها إِعْصارٌ لكن لمّا كان الإعصار لا يعجّل فساد الشجر والزرع ما لم يكن فيه نار تمّمه بقوله : « فيه نار » تأكيدا على ذلك . والإعصار عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي دوامه واستمراره يعمي عيون الأنهار ويطمّ الآبار ، ويحرق بوهج سمومه الزروع والأشجار ، وهذا معنى « فيه نار » أدارها على الجنّة فاحترقت من شدّة لهبها ووهجها . كأنها دوّامة نار تدور عليها في وسط ذلك الإعصار . ولمّا كانت مظنّة سلامة الأشجار عن الاحتراق - لما فيها من رطوبة وخضر -